الغزالي
37
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فينبغي لك أن تتوب من ذنوبك قبل الموت رجاء أن يقبلك اللّه ، كما قال اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ « 1 » يعني يتجاوز عما عملوا بقبوله التوبة . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » . حكي أن رجلا كان كلما أذنب يكتب ذنبه في ديوان : فأذنب يوما ذنبا ، فنشر ديوانه ليكتب فيه فلم يجد فيه إلا قوله تعالى : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ « 2 » يعني يبدّل مكان الشرك الإيمان ، ومكان الذنب العفو ، ومكان المعصية العصمة والطاعة . وحكي : أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرّ وقتا من الأوقات في سكك المدينة ، فاستقبله شاب وهو حامل قارورة تحت ثيابه ، فقال عمر : أيها الشاب ! ما الذي تحمل تحت ثيابك ؟ وكان خمرا ، فخجل الشاب أن يقول خمرا ، وقال في سره : إلهي لا تخجّلني عند عمر ، ولا تفضحني واسترني عنده ، فلا أشرب الخمر أبدا . ثم قال : يا أمير المؤمنين الذي أحمل هو خلّ . فقال : أرني حتى أراها . فكشف بين يديه فرآها عمر صارت خلا . فانظر إلى مخلوق تاب من خوف مخلوق ، فبدّل اللّه سبحانه وتعالى خمره بالخل لما علم منه إخلاص التوبة . فلو تاب العاصي المفلس عن الأعمال الفاسدة توبة نصوحا ، وندم على ذنبه بدّل اللّه سبحانه وتعالى ، خمر سيئاته بخلّ الطاعة . وذكر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : خرجت ذات ليلة بعد ما صليت العشاء الآخرة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا أنا بامرأة في الطريق ، فقالت : يا أبا هريرة إني ارتكبت ذنبا فهل لي من توبة ؟ فقلت : ما ذنبك ؟ قالت : إني زنيت وقتلت ولدي من الزنا . فقلت لها : هلكت وأهلكت ، واللّه مالك من توبة . فخرّت مغشيا عليها . فمضيت فقلت في نفسي : أفتي ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرنا ! فرجعت إليه فأخبرته بذلك ، فقال : « هلكت وأهلكت » فأين أنت من هذه الآية : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله :
--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 25 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 70 .